Friday, 13 March 2015

تاريخ عمل الأشبال والزهرات في فلسطين

تاريخ عمل الأشبال والزهرات في فلسطين
يعتبر المجتمع الفلسطيني من المجتمعات المنفتحة اجتماعيا ، من خلال مشاركة المرأة الفلسطينية بالعمل وكذلك الأشبال والزهرات . ومجرد عودة للتاريخ فإننا نرى هذه المشاركة فاعلة بالقرى بالأعمال الفلاحية وكذلك بالبادية ومهام الرعي والمراقبة وجمع الحطب كلها مهن للأشبال وزهرات ، وإذا انتقلنا للمدن فالوضع سيكون أكثر وضوحا ؛ حيث كانت تتم تعلم المهن كافة عن طريق التدريب المباشر في الورش والمعامل والمتاجر ، ولم تكن مقتصر عملية التدريب على الجوانب الحرفية ، بل كانت تشمل على تعلم فن التعامل مع الزبائن وأمور التربية المجتمعية .
ومع دخول الانتداب البريطاني عام 1917 لفلسطين ، تم تغيير العديد من القوانين واستحداث قوانين بخصوص عمل الأشبال والزهرات ، مما دفع الأهالي لتعليم أبناؤهم وبناتهم في كليات التدريب المهني مثل كلية سراتنطا وخضوري ، كما أن مؤسسة الكشاف الفلسطيني أقامت العديد من الدورات التأهيلية مثل الحياكة والنجارة والحدادة ، وكان هناك العديد من المؤسسات الوطنية التي تحاول مساعدة الأشبال والزهرات للانخراط في سوق العمل .
وفي منتصف العشرينيات خصص الشاعر الفلسطيني الكبير ابراهيم طوقان ساعة يوميا من إذاعة فلسطين لتقديم المواهب الصاعدة والتي تشمل على إلقاء الشعر والأغاني الوطنية ، وحتى الحزازير والأمثال الشعبية ، ومن المواهب التي اكتشفها في ذلك البرنامج ، كان الشاعر الشهيد عبدالرحيم محمود صاحب قصيدة : سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى .....
وفي منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي ، بدأ تنظيم حمل السلاح ضد توسع الاستيطان الصهيوني على أرضنا وتشكيل خلايا مقاتلة وكان القادة الكبار مثل ابراهيم الكبير وجمال الحسيني وبهجت أبوغربية والشيخ البلعاوي وغيرهم الكثير ، يولون اهتمام كبير لاعداد المقاتلين الشباب وخاصة في سن الأشبال والزهرات ، فتم تأسيس مؤسسة النجادة في مدن الساحل الفلسطيني والفتوة في المناطق الداخلية .
وأُفضل أن أروي مهام الأشبال والزهرات في مؤسسة النجادة على لسان أحد خريجيها ، الشهيد الرمز أبوأياد صلاح خلف  : كنا نتدرب على كل شيء وكان مدربنا يطلب منا التجسس على المستوطنات القريبة ومعرفة ما يجري داخلها ، لم نكن نعلم أهمية ما نقوم به ونحن نعد السيارات الداخلة والخارجة ولم نكن نعرف لماذا علينا أن نعرف كم مرة يذهبون لنبع المي ، او أي ساعة تأتي شاحنة الهاجاناة ، لكن معلوماتنا كانت أساس أي هجوم فدائي ، وجمع المعلومات الاستطلاعية هام جدا ، ولا نقلل من عمل الزهرات في محيط ميناءي حيفا ويافا فلقد قمن بتذكر أعداد المهاجرين الجدد والنوع الحمولات وغيرها ، أما على جانب الامداد فكنا نحمل الأطعمة والماء للثوار المختبئين بالبيارات ، وكانت الزهرات دائما أفضل وأشطر منا من ناحية   تمويه وسرعة الحركة ، ربما لأننا تعودنا طيلة عامين البقاء جالسين قبل المستوطنات . وفي مهمة كانت غاية في الصعوبة ، كنا نقوم بنقل الرسائل من الثوار لأهليهم لطمئنتهم على صحتهم .
أما إذا تكلمنا عن حركة فتح ، فهي استمرار لنفس العفوية الفلسطينية في التعامل مع واقعها الثوري منتهجة حرب الشعب طويلة الأمد أسلوب ملحمي يفتح المجال لكل أبناء وبنات شعبنا الفلسطيني ليساهم في عملية تحريرالوطن السليب ، فمنذ مراحل التأسيس السرية تم البدأ بخلق المؤسسات النقابية والشعبية وتأطير الشعب الفلسطيني بها ، حتى قبل تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية نفسها ، فتأسست الاتحادات الطلابية والمهنية وأيضا إتحاد المرأة الفلسطينية .
ولعل الكثيرين ينظر للشهيد البطل الأخ صخر حبش كصاحب قرار إنشاء مؤسسة الأشبال في عام 1967  ، وهذا تسجيل سليم لاستقلال مؤسسة الأشبال عن الاتحادات الطلابية والمليشيا الشعبية ، بمعنى أن الأشبال كانوا موجودون ضمن أطر مختلطة مع مؤسسات كبرى ، وكان يتم تخصيص ساعة صباحية لهم في معسكر الكرامة في وادي نهر الاردن وكذلك في معسكر الهامة في المرتفعات السورية الجنوبية. إضافة لقبولهم متطوعين في مؤسسات الثورة المختلفة .
وفي عام 1968 ، كان هناك حاجة لخلق مؤسسة الزهرات أو توسيع مفهوم مؤسسة الأشبال لتتسع لنشاطات خاصة بالزهرات ، خاصة بعد تميزهن بالأعمال الإذاعية والفنية ، إضافة لأعمالهن التطوعية في أعمال الحياكة والتمريض ، وكما  كان يقول الشهيد حبش دائما كنت أقول للأشبال : تنشطوا وشوفوا الزهرات دائما عندهن عمل تطوعي ومبدعات .
 إلا أن تطورات القضية الفلسطينية المتلاحقة فرضت على أشبال وزهرات فلسطين ، أن يتعدوا مفاهيم وأصول الحرب الشعبية ، حيث أن دورهم الاسناد والدعم ، كما كان في النجادة والفتوة في ثلاثينيات القرن الماضي ، لقد فرضت أحداث اجتياح الجيش الإسرائيلي الغادر للأراضي اللبنانية ، أن نقاتل العدو بكل قوانا ، ولعل أطفال آربي جيه كانوا أمثولة بالفدائية وملحمة بطولية ، حيث دافعوا ببسالة عن مخيماتنا ومعسكرات الثورة ، وكان لهم دور أساسي في حرب الشوارع خاصة في مدينتي صيدا وصور .
وفي النظر لأطفال الحجارة في الوطن المحتل ، فقد أجمع المعلقين والمتابعين للانتفاضات والحروب التي خاضها الشعب الفلسطيني ، أن هناك تلقائية ثورية وملكة فدائية عند الأشبال والزهرات الفلسطينيين لا نراها في أي مكان بالعالم ، تجمع بين تخطي حاجز الخوف مع الشعور أننا جميعا مسؤوليين ولنا دور لابد أن نقوم به .
ولعل هذا ما يجعل حركة فتح تخصص جزء مهم من وقت كوادرها ، للعمل من أجل زرع بذور المستقبل لجيل بحاجة لتوجيه وتثقيف وتدريب حتى يستطيع اثراء الثورة بمساهماته وانجازاته ، ولعل أحدث تطوير على العمل الحركي بخصوص مؤسسة الأشبال والزهرات هو إنشاء أكاديمية الأشبال والزهرات الالكترونية في 1-8-2011 ، بحيث يتم تخريج دفعة سنوية للمنتسبين لها من خلال ثلاث فصول دراسية ، يشتمل كل فصل على برامج تعزز وتنمي قدرات الأشبال والزهرات المعلوماتية والفكرية والوطنية.
ختاما ، لصناع المستقبل أشبال وزهرات فلسطين ، للقائمين على عمل مؤسسة الأشبال والزهرات ، ألف تحية ومعا وسويا سوف نستمر بالنضال .

الجغرافيا الوطنية الفلسطينية

مقال بعنوان : الجغرافيا الوطنية الفلسطينية
انطلقت الثورة الفلسطينية بعيدا عن جفرافيا الوطن واستوطنت في وجدان المناضل الفلسطيني لترافقه في كل أماكن تواجده ، ابتداءا من غرف العزل الانفرادي في سجون العدو الصهيوني مرورا بتركيبات الوطن ( أرض الضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة القدس وأرض 48 وأرض المخيمات الفلسطينية ) وبلاد الاغتراب ومستقرات المهاجر لكل مناضل فلسطيني ، في عملية نضالية تكاملية مكونها المركزي الكفاح من أجل تحرير الوطن ودعم استمرار الثورة ، فتشكلت الكينونة الثورية الفلسطينية في حضن القومية العربية والأممية الشعبية الثورية رافعة شعارات إنسانية كبرى وهي الحرية والمساواة والعدالة لتحقيق النصر الوطني ، كبداية منطقية للمساهمة في بناء الوحدة العربية والتفاعل مع الأممية الشعبية الثورية في العالم قاطبة .
ومن هنا كان إعلان الثورة أنها حركة تحرر وطني دون تعصب قطري يلغي المهام القومية المطلوبة من فلسطين ، لكن يتم تأجيلها إلي ما بعد عملية تحرير الوطن من الاحتلال ، وهي تتفاعل مع هموم الثوار في كل العالم وتطالبهم بدعم الثورة الفلسطينية وأهدافها لإنها جزء من الأممية الشعبية الثورية ، إلا ان هذا النهج خلط بين الوطنية القطرية والوطنية الثورية عند من حاول تشويه صورة الثورة خصوصا من أصدقائها العرب والأممين . ويمكن اختصار شرحنا للمفهومين كما يلي :-
الوطنية القطرية : هي معيار تبادلي بين الولاء لمقومات الوطن والانتماء النفعي للمواطنين ، وهذا المعيار يتصاعد في زمن الحروب والكوراث حيث أن الحاجة التصعيدية لغريزة البقاء تدفع المواطنين لفداء مقومات الوطن بأرواحهم وفي نفس الوقت يتم تقديس الانتماء الشعبي وتصبح الطبقة الحاكمة بحماية المواطنين بتصور مقلوب للولاء حتى يتم تعديله بإعلان أن الوطن يعيش حرا ومستقلا ، وبعدها تبدأ  فترة فتور الوطنية وتتصاعد العصبيات الطائفية والحزبية . وهذا النضال يصنف داخلي قطري ليس له امتداد أممي أو قومي .
أما الوطنية الثورية : فهي تختلف عن وطنية البلاد التي تعيش حالة حرب ، لأن البلاد كلها محتلة ولا يوجد جيش أو مؤسسات حكم  - وإن وجدت فهي صورية غير قادرة على حماية المجتمع  - لذا فإن الولاء للثورة هو ولاء لفكرة التحرر من الاحتلال ، وبهذا يصبح الانتماء الوطني هو مجموع المتضررين من الاحتلال ومتضامنين مع فكرة الثورة ، وهي تشمل أبناء الثورة وأنصار الثورة وجماهير الثورة وباقي الفئات الشعبية السلبية التي لا ترى أن ممارسة الثورة تتطابق مع مفهومهم لفكرة الثورة إلا أن هذه الفئات تبقى متضررة من الاحتلال فهي جزء من القوى الرافضه له وبالتالي تحسب كجزء من مجال الثورة الحيوي . إذن فالوطنية الثورية هي عملية نضالية تكافح من خلالها الثورة ضد الظلم الشامل بمكوناته الثلاث ظلم سلب الأرض وتشريد الشعب وظلم التمييز العنصري ونهب الحقوق الخاصة والعامة وظلم سلب السيادة السياسية للوطن والحقوق المدنية للمواطنين .
ولا يكون شرح الوطنية الثورية وافيا إلا بربطها بالجغرافيا الواقعية ، لإخراج الثورة من خيال الحلم المثالي وإسقاطها على المصلحة النفعية التبادلية بين الثورة والثوار في الحتمية الواقعية لتحرير أرض الوطن ودحر الاحتلال . الجفرافيا مهمة لتحديد ما هو حدود الوطن المطلوب تحريره من الاحتلال ؟ وما هو الوطن المطلوب تفكيكه مثل مخيمات اللجوء بعد التحرير ؟ وما هو وطن الثورة ؟ وغيرها من التركيبات المحددة للفكر الأممي الشعبي في الثورة الفلسطينية .
ولقد ساهم العديد من الفلاسفة والمفكرين بشرح الجغرافيا وارتباطها بالوطنية الثورية ونذكر منها تعريف أبقراط للجغرافيا بأنها الماء والهواء والأماكن ، ويقول هيرودوتس : إن سياسة الدولة تعتمد على جغرافيتها ، إلا أن أرسطو شرح السياسة على أنها العلاقة بين المناخ والحرية ، واستكمل الصورة ابن خلدون بأن قال : أن  دورة الحضارة مرتبطة بصراع البداوة ( الصحراء ) مع الحضارة ( مراكز الزراعة والصناعة ) ، ثم نقد ماركس مراكز الثورة ( وهي نفسها مراكز الحضارة عند ابن خلدون ) نقدا بناءا فستنتج  أن العمال أكثر تقبلا للتغيير والأفكار الثورية من الفلاحين دون أن يقلل من أهمية دور الفلاحين في عملية التغيير أو الفعل الثوري . ومن هنا تكون الترابطية أزلية بين الجغرافيا والوطنية الثورية  في أنها نضال كفاحي بمركب ثنائي وطن وجغرافيا ، فلا يكفي تحرير الجغرافيا بدون تحرير الوطن فهو انتقال من احتلال إلي احتلال جديد ، ولا يعني إعلان استقلال الوطن دون تحرير جغرافيا الوطن إلا خطوة سياسية قد تغير المستقبل دون أن تغير واقع الاحتلال المعاش .
من جانب آخر عرّف هيجيل الديلاكتيك بأنه دراسة علم ونقيضه مما سينتج علوم جديدة تكون مستقبل العلوم ، وفي دراستنا للعلاقة بين الوطنية الثورية والجغرافيا تبين لنا أن هناك علوم كثيرة نتجت عن تفاعلاتهما وهنا نستعرض الحدود القصوى لتناقض هذا التفاعل وهما جغرافيا الجوع والمجال الحيوي ، ويمكن تعريفهما كما يلي :-
جغرافيا الجوع ( خوسيه دي كاسترو) : وهو العلم المختص بدراسة البعد الاجتماعي والنفسي لمشكلات التخلف الاقتصادي والفقر من خلال دراسة تأثيرها على مفهوم الملكية الفردية والملكية العامة ومن جانب آخر أثر السلوك الاجتماعي والنفسي بعد التغيرات البيئية مثل الكوارث الطبيعية والحروب وكذلك مراجعة الميراث المجتمعي وتبيان أن الشعوب التي تتعرض لكوارث متتابعة تتشكل لها تجربة تفيدها بالتأقلم مع أي كوارث قد تحدث مستقبلا ، كما أنها تتغلب على السلوك الاجتماعي السلبي وتبني توافقية منفعية بين التكافل الاجتماعي والتضامن النفسي أثناء حدوث الكوارث على أقل تقدير . وأهم توصيات هذا العلم هو ضرورة ربط التنمية الاقتصادية بالنمو الاجتماعي وتحفيز الروابط الاجتماعية كجزء ضروري لتخلص من مشكلات التخلف الاقتصادي ، أي أن الوطنية تتقلص بعدمية نفعية الجغرافيا .
المجال الحيوي (فردريك راتزل ) : أن الدولة عبارة  كائن حي بحاجة رقعة جغرافية لتبقى حية إلا أن لها مجال حيوي أكبر من حيزها الجغرافي فهي بحاجة لتنمو وتتوسع ، وهي النظرية الاقتصادية التي طورها الألمان في بداية حكم هتلر ،  الذي اعتبر أوروبا المجال الحيوي لألمانيا ، وأيضا حزب العمل الإسرائيلي الذي اعتبر تأسيس الدولة في 1948 بحاجة لتحديد مجالها الحيوي من النيل إلي الفرات ، وفي كلتا الحالتين تم طرح مفهوم الحدود الآمنة والشريط الحدودي والحزام الواقي وهي كلها جزيئات المجال الحيوي للدولة . أي أن الوطنية تستعر بالتوسع الجغرافي .
ومن هنا نصل لخلاصة أن هناك علاقة طردية بين الجغرافيا والوطنية الثورية  وهما مكونان الأساس لأي ثورة حقيقية ضد الاحتلال ، فكثيرة هي الشعوب التي أزالت الاستعمار عن أراضيها لكنها عادت بعد الاستقلال لتبعية الدول الاستعمارية وأيضا هناك شعوب لم يتم احتلال أراضيها إلا أنها تعيش ظروف أصعب من وضعية الاحتلال الاستعماري . إن الخصوصية الفلسطينية أنها تناضل ضمن مفهوم الجغرافيا الوطنية حيث تثور الجغرافيا على مكوناتها وتتوزع الوطنية على أماكن سكن الفلسيطنيين ، مما أنتج ثورة متلونة بتضاريس الثوار وأفرز أساليب ثورية متناقضة لكنها متكاملة ، فماهو نضال يومي في الناصرة يعد قمة التحدي في مخيم عين الحلوة مثلا ، وماهو حلم لمناضل من غزة قد يكون قمة اليأس عند مناضل يسكن بالقدس ، وبنفس الطريقة تجد أن النضال السلمي مفيد بمدينة ما بقدر ما يفيد العمل العسكري بنفس المدينة  لكن باختلاف الرؤية الثورية لتفسير كلمة مفيد لتحقيق أهداف الثورة .
إن الوطنية الثورية أعمق نضاليا من الوطن المكافح وجغرافيا الثورة أوسع من أرض الوطن ، فمن كان قدرهم أنهم في الوطن أو في مخيمات اللجوء أو الشتات يتساوون بالوطنية الثورية ، وإن انتصارات الثورة لا تنحصر على أرض الوطن – رغم أهمية العمل بالوطن – لكنها ممتدة على حدود جغرافيا الثورة في خصوصية الجغرافيا الوطنية الفلسطينية التي تتكامل تلقائيا ، فهدف الثورة موافق للغريزة وتعاضد بين ثوار فلسطين أمر فطري .
خالد أبوعدنان
ولدت لاجئا وأحيا مهاجرا

الأمن الثوري الديموقراطي

مقال بعنوان : الأمن الثوري الديموقراطي

الأمن هو السلام إسرائيليا وهو مؤشر استقرار النظام السياسي في مجمل،  بل أن أصحاب المدارس الدينية يرفعه لمرتبة استيطان الإنسان لبقعة معينة مرتبط بالقدرة على توفير الأمن لها،  أما  المدارس الليرالية فترسمه ضمن الأمن القومي والذي يشمل الشبكة الأمنية كاملة وهي الأمن المائي والأمن الغذائي وأمن الطاقة والأمن الخارجي ممثل بالجيش والمخابرات الخارجية والأمن الداخلي ممثل بالأمن الوقائي وقوة ضبط النظام وأجهزة تطبيق القانون،  ويضيف لها الحزب الخضر الأمن البيئي وأمن حماية المواطن وأما الأحزاب اليمينية فتضع أمن النخبة الحاكمة وأمن احتكارية الأسواق وهناك من يرى بضرورة وضع أمن الانترنت وأمن الاسرة واستمرارها كأسلوب طبيعي لاستمرار وجود الإنسانية،  وأيضا أمن الحجر الصحي لوقف انتشار الأمراض الوبائية والبيئية.  ونحن إذا اتفقنا مع بعضها أو اختلفنا مع بعضها الآخر ؛ الا أننا نقر بأهمية كل هذه المواضيع وبدرجات متفاوتة ودون ضرورة فرض رقابة إضافية على الحريات العامة والخاصة ؛و سن قوانين إضافية لتجريم من يحاول زعزعت الأمن 
لكن من هي الجهة المخولة بتطبيق الأمن؟  ففي الماضي كان يشكل الردع المجتمعي أساسا ومنه خرجت السلطة الدينية وفيصلية أداء القاضي مع ما سمي بالأعراف الاجتماعية وتشريعات القانون العشائري ثم تم تأطير ذلك بمؤسسات الدولة الحديثة التي أخذت الحق الشرعي باستخدام العنف لضبط القضايا الأمنية وفق الدستور والتشريعات والقوانين وقد يكون استخدامها عادلا باستثناء حماية القوى المتنفذة في الحكم وقمع أي أفكار تتمرد عليهم. 
أما الخصوصية الفلسطينية في موضوع الأمن فتشمل مركبات الثورة والدولة في تعقيدات الهندسة الاجتماعية الفلسطينية وواقعية سلطة الدول الحاضنة لمخيمات الشتات وممارسات الاحتلال القمعية لتطلعات الشعب الفلسطيني 
وهذا جعل الأمن الفلسطيني يتشكل ضمن أربعة أطر وهي الأمن الثوري   والأمن الوطني والتسيق الأمني مع الدول العربية والتنسيق الأمني مع العدو الصهيوني،  ومهما وضعت أهمية لتنسيق أمني مع قوى عظمى فهو  لا يتم دون تنسيق أمني مع الدول العربية والعدو الصهيوني 
ولتوضيح كلمة تنسيق أمني فهي تداخل مصالح طرفين في مسؤوليات مشتركة،  فمثلا هناك استقلال جزئي للمخيمات الفلسطينية في لبنان الا أن النتسيق الأمني ضروري لطرفين ويعزز مفهوم المسؤولية المشتركة لخدمة أمن المخيمات،  أما إذا نظرنا للتنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية في المناطق المحتلة وأجهزة دولة الاحتلال فهي شاملة لكل مناحي الحياة من حركة الأفراد والبضائع وتزويد المناطق الفلسطينية بالطاقة والمياه وغيرها من مناحي الحياة وأما التحفظات على التنسيق وتتلخص بقضية منع العنف وضبط ردات الفعل العنفية ؛ وهو موضوع شائك حيث أن دايتون نفسه أعرب عن إستحالة منع المقاومة ضد إجراءات الاحتلال الاستفزازية المستمرة من قبل جيش الاحتلال أو المستوطنين، الا أنه أصر  على تجريم  أي رد فعل عنيف من قبل الفلسطينيين والاكتفاء بتطوير النضال السلبي اللاعنفي كأسلوب وحيد مرخص قانونا وغيره يعد جريمة يحاسب عليها القانون، وقبل دايتون بعشر سنوات طرح نفس الموضوع وكانت السلطة تنفذ الاعتقالات ثم تتركهم عن طريق سياسة الباب الدوار المعتقلين السياسببن 
أما الأمن الوطني وهو قوة الشرطة التي تنفذ القانون وهي خاصة بقضايا الأحوال المدنية والحق العام وحماية الأملاك وغيرها من القضايا تندرج ضمن بسط النظام ومنع الفوضى ومن أخطر أمراضها في العالم الثالث الفساد الإداري مثل المحسبوبية والرشاوي .
أخيرا الأمن الثوري وهو الجهاز الأساسي لحماية الثورة من الاختراق وأيضا هو جهاز جمع المعلومات قبل تنفيذ المهام النضالية،  وهو بالنسبة لمعظم التنظيمات الثورية مهمة كل عضو فيها وبرتبة أقل عيون الجماهير الثورية وثم عيون الحلفاء وأخيرا أخطاء العدو تشكل كلها معلومات يتم دراستها وتقييم درجة الدقة ومدى صلاحيتها 
وفي أول تطور ثوري فلسطيني كان بتأسيس جهاز الرصد المركزي عام ١٩٦٩بقيادة الشهيد الرمز صلاح خلف وإرسال مجموعة من ثوار دراسة الأمن في مصر والجزائر وهم شكلوا العمود الفقري لأجهزة الأمن في الثورة مثل الأمن المركزي والأمن الموحد والأمن الرئاسي والأمن السياسي وغيرها العديد من الأجهزة الأمنية وفي نفس الوقت شكلت التنظمات الفلسطينية الأخرى أجهزة أمنية خاصة بها ؛ لعل أهم إنجاز يحسب لثورة الفلسطينية القدرة على تطبيق شعار الديموقراطية في غابة البنادق من خلال التنسيق بين الأجهزة الأمنية بإشراف الأمن الموحد لمنع تضارب عملها والقدرة على تبادل المعلومات والخبرات بينها ؛ وكان عملها الأمني بشقين الأمن السلبي من خلال تجنب الوقوع صيدا سهلا للأعداء والأمن الإيجابي من خلال العمل السري والحركة المتغيرة الدائمة. 
وفي مرحلة بناء السلطة الفلسطينية تم تشكيل العديد من الأجهزة الأمنية وكان أهمها الأمن الوقائي وحصل تضارب بعملها ثم تنسيق وتوحيد الجهود ، الا أنها فصلت قضية أمن التنظمات السياسية عن أمن السلطة الفلسطينية ؛ وهو جمع لفكرة أمن الدولة ومقاومة الثورة في أسطورة الأمن الثوري الديمقراطي .
وتتلخص الفكرة أن التنظيمات الفلسطينية لها أمنها الخاص الغير مرتبط بأجهزة السلطة،  وأن السلطة تجرم من يقوم بأعمال المقاومة ؛ لأن المسموح به المقاومة السلمية فقط ولكن معاقبة المقاوميين تتم عن طريق سياسة الباب الدوار وهذا كان نهج الرئيس الشهيد الرمز ياسر عرفات. 
أما مرحلة الأخ الرئيس أبومازن فهي مختلفة تماما في عمل الأجهزة الأمنية وتحديد ما هو للسلطة وما هو للمقاومة يكون صعبا ويكون أصعب ضمن الانقسام السياسي بين قطبي المقاومة الفلسطينية ؛ والقضية الملحة في مفهوم الأمن الثوري الديموقراطي تحديد صلاحيات أمن التنظمات الثورية وآلية تعامل الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة ؛ فالقضية المثارة على جدول المصالحة قضية مهمة لأن القانون يجرم المقاومة المسلحة والقانون يمنع تشكيل أجهزة أمنية للتنظمات الفلسطينية ؛ ولعل أكبر متضرر بالعملية هذه هي حركة فتح لأن عملها أصبح علني ضمن نطاق قانون السلطة وأطر النضال السلمي ؛ الا أن العمل بهذا الأسلوب لم يمنع قوات الاحتلال من اعتقال العديد من الكوادر التنظيمية ولم يوقف التوسع الاستيطاني واستخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين العزل ؛ وبالتالي فإن طرح قضية المقاومة بكل أشكال النضال ليس شعارا جميلا بل هو طموح العودة لفصل المقاومة عن السلطة وافساح المجال لصعود الفعل الثوري من قبل التنظمات الفلسطينية.
ومن زاوية ثانية يرى المتفائلون أن الدولة الفلسطينية تبلورت وأن المهمات تتلخص بتعزيز هياكل الدولة أما مقارعة الاحتلال فتقتصر على النضال السلمي والعمل السياسي ؛ الا أن العدوان الأخير على غزة فلسطين أظهر أن التنظمات الفلسطينية مازالت قادرة على الرد العنيف في الضفة الغربية وأنها تمتلك القدرة القتالية والأمنية لانجاز مهام نضالية بعيدا عن أعين السلطة.
فالمطلوب مساحة أوسع للتنظمات الفلسطينية مع عدم إحراجها للأجهزة الأمنية التابعة للسلطة وهذه المعادلة بحاجة لجهد جبار أساسه الثقة المتبادلة والمصلحة المشتركة ؛ وهذا ما سيجعلنا نعود لمفهوم الأمن الثوري الديموقراطي على كل الضفة الغربية وقطاع غزة ، وهي رسالة موجهة للحكومة الخفية في قطاع غزة والتي ترفض إعطاء حكومة الوفاق الوطني الفرصة لوضع آليات فصل عمل التنظيمات الفلسطينية عن مهام السلطة الفلسطينية وأهمها تعريف ما هو أمن السلطة وما هو أمن المقاومة ؟
خالد أبوعدنان
ولدت لاجئا وأحيا مهاجرا 

Thursday, 5 February 2015

مقال بعنوان : مواطن مع وقف التنفيذ

مقال بعنوان : مواطن مع وقف التنفيذ

إن أزمة الانتماء للوطن بالدول العربية سببها أن الغالبية الساحقة من أبنائها صامتة ولا تملك القدرة على تغيير واقعها  ، فهي فقدت الثقة بانتمائها للمجتمع وأهلية الوطن بأن يلبي الاحتياجات الأساسية للمواطنين . لكنها لم تشكل أزمة هوية كما حال الأقليات في المجتمعات الديموقراطية ،  ولم تخلق أزمة دستور وتعريف حقوق وواجبات المواطن في دولة تعتبر وطنه ،  فعاد الإنسان العربي لمفهوم أهل البلد وأرض البلد ووجهاء البلد ؛ بعودة قسرية لما قبل عهد الحداثة وبناء الدولة العربية الحديثة ، ولعل أسباب ذلك تعود لفشل كل شيء حول الإنسان العربي وسقوطه قسرا خارج الوطن والعودة إلي بلده خائب الرجاء بإمكانية تحقيق مفهوم المواطنة في بلاد العرب ؛ مما جعل الإنسان العربي مريض بلا تعريف لمرضه أو توصيف لعلاجه أو حتى وضعه بحجر صحي ومراقبة تطورات وضعه عن كثب

في بداية تحديد هذه الأزمة لابد من فهم بساطة المطلوب وصعوبة الحصول عليه ؛ رغم أن كل دستور يقر أن كرامة المواطن هي كرامة الوطن ؛ وأن الحكومة ستعمل لخدمة مواطنيها وأن الرئيس /الملك /الشيخ  سيسهر على راحة المواطنين ؛ وأن المواطن آمن على نفسه وأهله ومسكنه ،  وأن الوطن سيوفر التعليم والصحة وسيوفر فرص العمل ؛  وأن القيادة ستخلق وطن لمواطنيها ؛ بدون مثالية أو أي أحلام كبيرة بل بقبول أمراض المجتمعات المتخلفة في بلدان العالم الثالث : من محسوبية وفساد مالي وإداري لكن دون التشكيك بوطنية أبناء البلد  ، فيصبح الانتماء للوطن أمر مقدس عند جميع أبنائه بالتوازي مع شرعية حق المواطنة لكل أبنائه.

في ظل هذا الظرف العربي الأليم يصعب صناعة وطن لكل أبنائه ؛ ويُختصر الوطن لطبقات الولاء السياسي ومجتمع المنفعة المؤقتة ؛ دون أفق ديموقراطي أو ثبات مجتمعي بل هو ربط مصير الوطن بطبقة حاكمة تتعامل مع أقلية مواطنة تبايعها وتنتفع من وجودها بينما السواد الأعظم من السكان يفقد حق المواطنة ويتحول إلي أشباح ليس لها وزن بالمعادلة السياسية بل أن البعض منهم يتم تعامل معهم كأعداء للوطن والبعض الآخر يصبح مواطن مع وقف التنفيذ ؛ يُصنع من أجله السجون السياسية وأجهزة الأمن الداخلي ويصبح محظور عليه كل حقوقه الإنسانية ؛ لمجرد أنه لا يعطي ولاء مليون بالمئة لطبقة الحاكمة ؛ بل أنه يرفض التبعية المطلقة لكل ما يصدر عنها ؛ في استبداد يطال لقمة العيش وأحيانا كرامته كمخلوق له حق أن يتنفس ولو ببطأ.

في هذا الجنون العربي تتغير آليات التفكير لدى الإنسان العربي ؛ ويصبح بوزن الريشة يركض خلف سراب التغيير ؛ ويصبح صيدا سهلا لفكر الانقلابيين ؛ حتى لو كان غير مقتنع أن مساعهم قويم وأن نجاحهم في قلب الحكم ممكن ، الا أن الغالبية العظمى من سكان تُصر على حيادها وتربط جيادها على الباب الخلفي للوطن معلنة أنها رحلت وللأبد خارج حدود الوطن واستقرت على أرض الأجداد وسلالة القبيلة الأصيلة ؛ فهي مع كل من يحكم دون أن تعطيهم الولاء وهي لا تقف ضد المعارضة ولا تساندهم ؛ في حل عربي لمفهوم اللا منتمي في فضاء الوطن مع تنازل فطري عن كل الحقوق والقبول بأداء كل الواجبات مع رفض قانون العبد والسيد

وهذا ما يفسر أن رئيس ما يحصل على دعم كل المواطنين مع أن المعارضة تحصل على دعم كل المواطنين ؛ والسبب أن لكل منهما مواطنين مختلفين عن بعض وأن مجموعهما معا لا يُشكل عشرة بالمائة من أهل ذاك البلد ؛ لأن أهل البلد اعتصموا بحبل البلد لنا والوطن لهم . إن مجرد فهم أن الغالبية العظمى من العرب ليسوا مواطنين في بلادهم ؛ فقدوا أوطانهم واحتموا في بلادهم خوفا من سطوة الطبقات الحاكمة والمعارضة ؛ وأصبحت كلمة وطن لغز خطير ومجرد التفكير بحل هذا اللغز يعادل الانتحار طوعا.

وفي ظل كل ماسبق يصبح السؤال عن الدور الشعبي العربي في معركة تحرير فلسطين سؤالا اعتراضيا على قانون الإنسان المقهور في بلاد العرب ؟  سوف أسرد أربعة إجابات افتراضية لهذا السؤال  :
الإجابة الاولى : فلسطين محتلة ولابد أن نحررها يوما ما ؛  لكن لابد أن نحرر أنفسنا أولا.    
الإجابة الثانية : وضع فلسطين واضح ووضعنا فاضح .
الإجابة الثالثة : الاحتلال رحمة لفلسطين .
الإجابة الرابعة : ونحن أيضا محتلين .

لعلي وضعت الإجابة الأولى متفائلة لكن الحقيقة أن السواد الأعظم يؤيد الإجابة الرابعة إيمانا وقناعة أن العرب فقدوا إحساس المواطنة وأهلية الوطن في زمن جبروت السياسة وثقافة الاستبداد المتواصل لحاجات الإنسان العربي الأساسية.  إن خلق جبهة شعبية عربية مساندة وداعمة لحق الشعب الفلسطيني بالاستقلال ؛ أصبح مفهوما صعب المنال بسبب قهر الإنسان العربي في بلاده لا لقلة إيمانه بعدالة القضية الفلسطينية ،  ولا بسبب أن القيادة الفلسطينية فاسدة أو أنها تتعامل مع المؤسسات الرسمية بالدول العربية دون التفاعل مع الفعاليات الشعبية العربية المساندة للنضال الفلسطيني ، بل بسبب الظروف الصعبة التي يعيشها الإنسان العربي مما أفقده القدرة على العطاء في قضية يؤمن بها بل يعتبر نضاله فيها فرض عين لولا أزماته الداخلية المتتالية .

وفي ظل انتهاج الثورة الفلسطينية منهج الثورة الوطنية المطالبة في مقارعة الاحتلال مع الابتعاد عن التناقضات العربية من خلال مبدأ عدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول العربية الا بما يخص بالقضية الفلسطينية وعلى رأسها قضية اللاجئين الفلسطينيين في بلاد العرب إن غياب الجبهة الشعبية العربية المساندة للثورة الفلسطينية خلق فراغ جوهري في قدرة الأمة العربية في تجسيد تضامنها مع فلسطين والوقوف معها في زمن هي بأشد الحاجة والعوز لالتفاف شعبي عربي موحد حول حق الشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال ، في زمن مواطن مع وقف التنفيذ في بلاد العرب يصبح وزن الرأي العام العربي بوزن الريشة ووزن القرار العربي أقل بكثير من وزن الريشة .

خالد أبوعدنان
ولدت لاجئا وأحيا مهاجرا